الشوكاني

169

فتح القدير

الخبر لإفادة الاختصاص ( وله الدين واصبا ) أي ثابتا واجبا دائما لا يزول ، والدين هو الطاعة والإخلاص . قال الفراء ( واصبا ) معناه دائما ، ومنه قول الدؤلي : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * بذم يكون الدهر أجمع واصبا أي دائما . وروى عن الفراء أيضا أنه قال : الواصب الخالص ، والأول أولى ، ومنه قوله سبحانه - ولهم عذاب واصب - أي دائم . وقال الزجاج : أي طاعته واجبة أبدا . ففسر الواصب بالواجب . وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب : أي ليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك بزوال أو بهلكة غير الله تعالى فإن الطاعة تدوم له ، ففسر الواصب بالدائم ، وإذا دام الشئ دواما لا ينقطع فقد وجب وثبت ، يقال وصب الشئ يصب وصوبا فهو واصب : إذا دام ، ووصب الرجل على الأمر : إذا واظب عليه ، وقيل الوصب التعب والإعياء : أي يجب طاعة الله سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو غير مناسب لما في الآية ، والاستفهام في قوله ( أفغير الله تتقون ) للتقريع والتوبيخ ، وهو معطوف على مقدر كما في نظائره ، والمعنى : إذا كان الدين : أي الطاعة واجبا له دائما لا ينقطع كان المناسب لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره . ثم أمتن سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره فقال ( وما بكم من نعمة ) أي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فمن الله : أي فهي منه ، فتكون ما شرطية ، ويجوز أن تكون موصولة متضمنة معنى الشرط ، وبكم صلتها ، ومن نعمة حال من الضمير في الجار والمجرور ، أو بيان لما . وقوله ( فمن الله ) الخبر ، وعلى كون ما شرطية يكون فعل الشرط محذوفا أي ما يكن ، والنعمة إما دينية وهى معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به ، وإما دنيوية نفسانية ، أو بدنية أو خارجية كالسعادات المالية وغيرها ، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها ، والكل من الله سبحانه فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه ، ثم بين تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال ( ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) أي إذا مسكم الضر أي مس فإلى الله سبحانه لا إلى غيره تتضرعون في كشفه فلا كاشف له إلا هو ، يقال جأر يجأر جؤورا : إذا رفع صوته في تضرع . قال الأعشى يصف بقرة : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تطيف وتجأرا والضر : المرض والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان ( ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ) أي إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر - إذا فريق أي جماعة منكم بربهم الذين رفع الضر عنهم يشركون فيجعلون معه إلها آخر من صنم أو نحوه . والآية مسوقة للتعجيب من فعل هؤلاء حيث يضعون الإشراك بالله الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له ، وهذا المعنى قد تقدم في الأنعام ويونس ، ويأتي في سبحان . قال الزجاج : هذا خاص بمكر وكفر ، وقابل كشف الضر عنه بالجحود والكفر ، وعلى هذا فتكون من في منكم للتبعيض حيث كان الخطاب للناس جميعا ، والفريق هم الكفرة وإن كان الخطاب موجها إلى الكفار فمن للبيان ، واللام في ( ليكفروا بما آتيناهم ) لام كي : أي لكي يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر ، حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم . وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها غاية ، وقيل اللام للعاقبة : يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا هذا الكفر . ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب ( فتمتعوا ) بما أنتم فيه من ذلك ( فسوف تعلمون ) عاقبة أمركم وما يحل بكم في هذه الدار وما تصيرون إليه في الدار الآخرة . ثم حكى سبحانه نوعا آخر من قبائح أعمالهم فقال ( ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ) أي يقع منهم هذا الجعل بعد ما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم وما يعقب كشفه عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك